السيد كمال الحيدري
176
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
وقال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل حتّى يجعل للقرآن وجوهاً . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدبّر القرآن ، وذلك لا يحصل بمجرّد تفسير الظاهر » « 1 » . ثمّ يحاول أن يبيّن الفرق بين الظاهر والباطن من خلال مثل قرآني قال فيه : « ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال ؛ وهو أنّ الله عزّ وجلّ قال : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى « 2 » ، فظاهره تفسير واضح وحقيقة معناه غامض . فإنّه إثبات للرمي ونفي له ، وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه ولم يرمِ من وجه ، ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله عزّ وجلّ . وكذلك قال تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأيْدِيكُمْ « 3 » ، فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون الله سبحانه هو المُعذِّب ؟ وإن كان الله تعالى هو المعذِّب بتحريك أيديهم ، فما معنى أمرهم بالقتال ؟ فحقيقة هذا يُستمدّ من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يُغني عنه ظاهر التفسير ، وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة ، ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة الله عزّ وجلّ حتى ينكشف - بعد إيضاح أمور كثيرة - صدق قوله عزّ وجلّ : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى . ولعلّ العمر لو أُنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدّماته ولواحقه ، لانقضى العمر قبل استيفاء جميع لواحقه ، وما من
--> ( 1 ) إحياء علوم الدِّين ، مصدر سابق : ج 1 ص 289 . ( 2 ) الأنفال : 17 . ( 3 ) التوبة : 14 .